محمد أبو زهرة

1853

زهرة التفاسير

[ التوبة ] . وإن هؤلاء إذا حاولوا هذه المحاولة أو لم يحاولوها ، واستمروا في غيهم يعمهون ، فإنهم باستمرارهم في هذه الغواية يسيرون إلى أقصى المدى في الشر ، فيبعدون عن الهداية ، ولذلك لا يضلون إلا أنفسهم ، فإن النبي صلى الله عليه وسلم لن يضل أبدا ، وإنهم لا يضرونه بأي قدر من الضرر ، ولا بأي نوع منه ؛ لأن الله حافظه ، وحافظ من اتبعوه إلى يوم القيامة . وقد بين الله حصانه نبيه ، إذ قال : وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ ما لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيماً هداية كاملة بالرسالة ، بينها الله سبحانه وتعالى بأن الكتاب أنزل عليه مبينا به الشريعة الحق التي لا يأتيها الباطل من بين يديه ولا من خلفه ، فهو يحكم بقانون القرآن ، وعلمه الرسالة ، وأنزل عليه الحكمة ، وهي الفهم الصحيح ، وفقه الوقائع ، والمسائل : فلا يقضى إلا بالحق . وقد فسر الإمام الشافعي الحكمة بالسنة ، وإن هذا التفسير له موضعه من الحق ، فالله تعالى أنزل عليه الوحي بالسنة ، فما كان ينطق عن الهوى ، إن هو إلا وحى يوحى . وإنه يعلم القرآن ، وبالحكمة التي أنزلها على قلبه ، قد أنار الله بصيرته ، فعلمه علما كثيرا لم يكن يعلمه ، وكان فضله بهذه الرسالة ، وبهذا القرآن ، وبهذه الحكمة ، وبهذا العلم النوراني الذي علمه إياه ، عظيما لا حدود لعظمته . وإن هؤلاء الذين يسعون في الأرض فسادا ، كانوا يحاولون أن يضلوا النبي ، لولا كتاب الله الذي أنزل عليه ، وحكمته التي أوحى بها إليه ، وما علمه من علم ، وأن أمثالهم في كل زمان ، وهم أجرأ على الحكام ؛ إذ لا هداية من السماء تنزل على الحاكمين ، فلا حواجز تحجزهم عن السعاية بالشر ، فعلى الحكام أن يأخذوا حذرهم منهم ، ولا يجعلوا منهم ألسنة تحكى حال غيرهم ، بل عليهم أن يقطعوها ، والله من ورائهم محيط .